موت اللغة العربية في الخليج العربي
كتبهاالفيتوري الصادق ، في 29 أكتوبر 2007 الساعة: 12:12 م
موت اللغة العربية في الخليج العربي

علي محمد فخرو
هل حقا يعي المسؤولون الكبار والصغار في دول مجلس التعاون حجم وفداحة الخطرين المفجعين اللذين سيأتي بهما المستقبل غير البعيد بالنسبة لعروبة مجتمعات دولهم؟ فالخطر الأول المتمثل في عمالة أجنبية، غير عربية، تتدفق بأعداد ضخمة، ثم تتوالد، ثم تستقر، ثم تصبح مشكلة اجتماعية وأمنية وسياسية فقد نوقش من قبل الكثير من الجهات الرسمية والمنابر، وصدرت بشأنه الكثير من التوصيات التي لم تنفذ في كثير من الحالات علي أي حال، وهو حديث ذو شجون سنتركه لمناسبة أخري.
أما الخطر الثاني المتمثل في التراجع المتنامي المقلق لوعاء الثقافة العربية، ونعني به وعاء اللغة العربية، فإنه لم ينل نصيباً كافيا من الاهتمام يوازي حجمه ويراعي محوريته في المحافظة علي هوية ساكني هذه المجتمعات. ذلك أن اللغة العربية هي وعاء الثقافة العربية، فإذا ضعفت اللغة ضمرت الثقافة التي بدونها تذوي وتذبل حيوية إنسانية المجتمعات، يتجلي هذا الخطر في الآتي:
أولا: يشهد الجميع بأن الطلبة الخريجين، وعلي الأخص خريجي المدارس الخاصة، يعانون من ضعف شديد في لغتهم العربية الفصحي سواء علي مستوي التحدث أو القراءة أو الكتابة، وبسبب من ذلك يبتعد هؤلاء بعد تخرجهم عن التواصل مع مصادر الثقافة العربية الفكرية والأدبية والعلمية الرصينة، فهؤلاء لا يستطيعون قراءة وفهم القرآن الكريم أو الشعر العربي أو كتابات مؤلفين من أمثال الكواكبي أو طه حسين أو جبران خليل جبران أو محمد عابد الجابري علي سبيل المثال لا الحصر وشيئا فشيئا تقتصر قراءاتهم علي الصحف إذا حدثت والمجلات التي تستعمل اللغة المبسطة والتي لا تربطهم بالنتاج الفكري والعلمي العميق في ثقافة أمتهم، ومع الوقت يتخلي هؤلاء حتي عن ذلك لتقتصر قراءاتهم علي الصحف والمجلات الأجنبية.
ثانيا: ذلك أن الثنائية اللسانية بالنسبة لهؤلاء الطلبة، أي تعلمهم للغة أو لغات أجنبية بالاضافة للغتهم الأم، بدأت تميل أكثر فأكثر لصالح اللغات الأجنبية علي حساب اللغة القومية، ان متطلبات العولمة الاقتصادية التي جعلت الشركات الاجنبية الدولية مهيمنة في الأسواق العربية والتي تتطلب الاستعمال الكثيف للغة الاجنبية وما يرتبط بها من كمبيوتر وانترنت اقنعت أهالي الطلبة والطلبة أنفسهم بإعطاء أفضلية لتعلم علي الأخص اللغة الانجليزية، ووضع كل شيء آخر في هامش الحياة التربوية والتعليمية، هنا تبدأ المشكلة الكبري، ذلك أن العقل أداة للتفكير واللسان العربي مرتبط كأداة للتعبير فاذا ضعفت هذه الأداة تم التفكير بلغة أخري وسقط الفرد تحت هيمنة وقوة أصحاب تلك اللغة الأخري، أي سقط الفرد تحت هيمنة ثقافة الآخرين، ومنذ زمن طويل إنتبه ابن خلدون لظاهرة الارتباط القوي بين هيمنة اللغة والهيمنة السياسية.
فهيمنة اللغة الانجليزية لن تعني هيمنة أداة اتصال محايدة، بل ستعني هيمنة تفكير وهوية وولاء عاطفي، ثم ولاء سياسي، لأصحاب تلك اللغة، ولقد بدأنا نشاهد جيلاً يفهم قضية فلسطين ومأساة إحتلال العراق وتخلف أمته الاقتصادي والاجتماعي من خلال مشاهدته لمحطات فضائياتهم ومن خلال قراءته لكتبهم. إن ضعف لسان هذا الجيل، لغة وكلاماً، سيحمل كارثة ثقافية، والتي ستتبعها كارثة سياسية في المستقبل المنظور.
ثالثا: ان ثنائية اللغة العربية الفصحي واللهجة العربية المحكية لن تعصم هذا الجيل من الاخطار التي ذكرنا، فالتكلم باللهجات المحلية سيبقي عند هؤلاء القدرة علي التفاهم اليومي مع مجتمعاتهم، ولكنه لن يكون كافيا لربطهم الوثيق بمنابع ثقافتهم الاساسية، فهذه في مجملها مكتوبة ومحكية باللغة العربية الفصحي التي يضحي بها الآن علي مذابح مختلف الادعاءات في عوالم المال والاقتصاد.
في إعتقادي أن حل مشكلة اللغة العربية كأداة تواصل وثقافة في نفس الوقت ليس بالصعب، انه يحتاج الي إرادة سياسية وقرارات تنظيمية تضع اللغة العربية الفصحي في قلب الحياة اليومية للفرد العربي، يستطيع القادة في دول مجلس التعاون أن يتغنوا ما شاءوا بكلمات الاصالة والتراث والأجداد والعادات، لكن كل ذلك سيصبح هباء منثوراً إن ماتت اللغة العربية الفصحي
منقول عن الراية القطرية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ثقافة | السمات:ثقافة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























