فى أحضان لبده الكبرى.. ليبيا تحتضن التاريخ وتتحدى الزمن والانهيار
كتبهاالفيتوري الصادق ، في 15 نوفمبر 2007 الساعة: 19:50 م
عزيزي :أحمد عبدالهادي اسمح لي أنا أصيل مدينةزليتن المجاورة للبدة المدينة الشهيرة بواديها التاريخي الكبير(وادي/عين كعام) الذي كان يمد لبدة بالماء ومن عذبه بنى الفنيق لبدة الكبرى …إسمح لي أن أحتفي بما كتبت علىطريقتي
فى أحضان لبده الكبرى.. ليبيا تحتضن التاريخ وتتحدى الزمن والانهيار

رحلة قطعها: أحمد عبد الهادى
رئيس تحريرموقع شباب مصر
ارتجفت يدي بالكاميرا قبل أن أوجه عدستها إليها .. ظللت فاغر الفاه غير مصدق أن الجماهيرية الليبية تمتلك مثل هذه المدينة .. وكل هذا التاريخ الذى يضمه هذا المكان .. رغم سخونة الشمس .. رغم الهواء المكلل بالرطوبة العالية إلا أننا جميعا هرولنا لنقتحمها ونقتحم أسرارها عبر الطريق الطويل الفاصل بين العاصمة طرابلس وبين هذه المدينة قطعنا ساعات طويلة من السفر .. حتى أن بعض الزملاء شعروا بالملل والغيظ المكتوم جراء ما وصفوه بالورطة التى أوقعنا فيها صديقنا محمد عيسى المستشار الإعلامى لمكتب المتابعة العربى الليبى بالقاهرة والتى حاول بخفة دمه أن يخفف منها.. كانت المسافة طويلة جدا .. انشلغت عنها بتسليط عدسة الكاميرا لمئات المشاهد التى تقع عينى عليها لأول وهلة .. الطريق كان يحمل على جانبيه الماضى والحاضر معا .. الحضارة وعراقة الناس وتمسكهم بالتاريخ .. الجبال العالية التى تحتضن بعض المنازل المشيدة بالطراز القديم على جانبيها .. وتحتضن أيضا عشرات المصانع التى ارتفعت فى عنان السماء فى تحدٍ وعنفوان .. الطريق العريض الذى يتلوى كالأفعى الناعمة ويغريك بزيادة سرعتك لأقصى سرعة .. الهدوء الذى يغلف صدر المكان من داخل السيارة التى راح المطرب شعبان عبد الرحيم يقفز فيها كالقرد عبر شاشة صغيرة تدلت من سقف السيارة وأخونا (مفتاح) سائق العربة يحدثنا عن إمكانياتها التكنولوجية حتى أن معظمنها تورط فى شرائها من شارع الكندى وسط طرابلس لنضعها نحن أيضا فى سياراتنا …. كلها جميعا خففت من طول الطريق والمسافة التى تفصل بين طرابلس وبين مدينة لبده الأثرية التى قدمنا لزيارتها ..
ولبدة الكبرى تقع شرقى مدينة الخُمس بحوالى ثلاثة كيلو مترات أما عن بعدها عن مدينة طرابلس فيبلغ حوالى (123 كم) ويمكن الوصول إلى المدينة عن طريق وسط مدينة الخمس أو عن طريق الشريط الساحلى من جهة المدخل الشرقى لمدينة الخمس .
والمدينة كغيرها من المدن القديمة أسست على مصدر مائى يمثل بالنسبة لها عصب الحياة فى تلك الفترة ألا وهو مصب وادى لبده .
*****
كنت أتوقع مشاهدة بعض الصخور التى احتفظ بها الأشقاء فى ليبيا هنا باعتبار أنها جزء من التاريخ .. لكننا جميعا بلا استثناء فغرنا أفواهنا دهشة عندما طالعتنا بوابة ضخمة تعود إلى عصور ما قبل الميلاد .. شاهقة فى الهواء .. على الفور وجميعنا ودون أن ندرى تلاصقنا لالتقاط الصور التذكارية فى حضنها .. ثم نسينا متاعبنا وإرهاق المسافات ورحنا نقفز كالجياد فوق الصخور والطرقات والتاريخ وتاه معظمنا داخلها .. وصفعتنا لفحات الهواء القادمة من البحر الذى يحيط بها … ونسينا عرقنا وسخونة الشمس .. ورحنا نفتش فى أعماق التاريخ عن الحكايات والأوراق التى سجلت تاريخ هذه المدينة ..
*****
" غريبة هذه المدينة … عجيبة هذه المدينة .. التى أذهلت الباحثين والخبراء والزائرين فكل زيارة لها تعطيك شعورا إلزاميا بالعودة لها مرارا أو تكرارا .. مدينة عظيمة البنيان ضخمة المعالم تميزها هندسة غير مسبوقة فى ذاك الوقت . وحضارة قد لا تتكرر مرة أخرى .. عهود كثيرة شهدتها هذه المدينة حصيلتها تاريخ ثرى لأحداث سياسية ودينية واقتصادية … "
بهذه الكلمات بدأ المؤلف محمد عمر بن طالب سطور كتابه الرائع " لبده الحضارة " الذى أصدر طبعته الأولى عام 2001م وساعده فى تحريره أسامة مختار طالب وعلى مختار طالب .. الكتاب يكشف عن تاريخ المدينة وسجلاتها التاريخية ..
فهو يرجع سبب تسمية هذه المدينة بـ لبده (العظمى) تميزا لها عن لبده الصغرى فى تونس .. ولبده الكبرى هى إحدى المدن الثلاثة المعروفة باسم (تريبوليس) عند اليونان أما المدينتان الأخرتان فهما أويا ( طرابلس ) وصبراتة ويرجع زمن تأسيس هذه المدن الثلاثة تريبولس إلى الفترة الفينيقية وأنشات كمحطات تجارية وتؤكد المصادر التاريخية على أن هذه المدن الثلاثة لم تنشأ قبل القرن التاسع أو السادس قبل الميلاد .
وبعد تمكن الأشوريون من تدمير مدينتى صور وصيدا (بلبنان) فى القرن السابع قبل الميلاد اتجه الفينيقيون نحو شمال أفريقيا ليؤسسوا المدن كمحطات تجارية لهم ومن بين هذه المدن لبده الكبرى اعتبار تاريخ بدء سيطرة الحكم الرومانى على أقطار شمال أفريقيا حوالى العام (146 ق.م) أى بعد القضاء على قرطاجنة فى نهاية الحرب البونية الثالثة .
لقد أنشأ الفينيقيون على الساحل الأفريقى , وما وراءه مراكزهم التجارية الرئيسية وحقق بعضها ازدهارا مدهشا فاق ازدهار المدن الأم.
وتلك المراكز لم تكن موجودة فقط على سواحل المتوسط بدءا من الواجهة الشرقية لتونس وحتى أعالى جبل طارق بل أيضا على سواحل المغرب وأسبانيا المتوسطية.
*****
أحتضن أعمدة المدينة غير مصدق .. أسأل نفسى سؤالا طالما طرحته على النفس مرات كثيرة وأنا فى مثل هذه المواقف :
ـ كيف شيّد القدماء هذه الأعمدة بهذه الهندسة وهذه الدقة ؟
هذا السؤال لاقى سخرية من بعض المثقفين وقال بعضهم :
ـ فى سؤالك شئ غير عادي.
نعم كان السؤال غير عادي .. فنفس السؤال ألقيته على النفس أمام أهرامات الجيزة بمصر .. وأمام مدينة (جرش) الأردنية وأنا أدقق النظر فى طرقاتها وأعمدتها الشاهقة.. وأمام مدينة (البتراء) التى ركعت أمامها وأنا أرى جدرانها وكأنها شُيدت بالأمس فقط … هذه المدينة التى كانت محورا لعشرات الموضوعات التى نشرت معظمها فى صحافة الأردن .. وكانت البداية حديثا بينى وبين المهندس رائف نجم وزير الأشغال بالمملكة الأردنية الهاشمية والذى كان له الكثير من الأبحاث حول عبقرية الحضارات القديمة وعبقرية الهندسة المعمارية التى توصل لها القدماء وكان نتاجها مثل هذه المدن .. وفشل علماء العصر الحديث فى تشييد نماذج تحاكيها ..
قلت للمهندس رائف نجم لحظتها :
ـ ألا يحاول عقلك أن يذهب بعيدا لكى يجد تفسيرا لهذه الممالك والتحف الرائعة التى تركها لنا الأوائل؟
ضحك الرجل لحظتها من خباثة السؤال .. وقال :
ـ دائما العقل يحاول تفسير الأشياء تفسيرا ميتافيزيقيا من أجل أن يريح نفسه .. تماما مثلما أثبت أنت فى موضوعك الأخير وكشفت الستار عن الخرافات التى تجسدت فى حكاية السيدة فايزة الفلسطينية الأصل وحكاية سيدنا الخضر التى هزت المجتمع الأردنى بأثره والتى قمت فيها بتعرية المجتمع الأردنى وسذاجة تفسيره للأشياء . وهو تفسير لا يمتلكة المجتمع الأردنى والفلسطينى فحسب بل مع الأسف تمتلكها كل الشعوب العربية بلا استثناء ..
ضحكت وقفزت عينى بين سطور الموضوع الذى نشرته مؤخرا ويعتبر الحلقة الرابعة من سلسلة حلقات وضعت فيها الظواهر الغريبة تحت ميكروسكوب العلم .. وكان من بينها حكاية السيدة فايزة تلك السيدة التى كلما لمست شيئا احترق على الفور .. واحتار فيها أطباء الأردن جميعا .. وأخذها زوجها لأحد الشيوخ الذى قال له أنها قتلت جنيا أثناء هبوطها من فوق السرير .. وينتقم منها أبو الجنى بأنها لبس جسدها بحيث تحرق أى شئ تلمسه .. وأعد للسيدة (دقة زار) واستراحت السيدة بالفعل واحتار الأطباء أكثر .. لأن ما حدث يصدم كل الحقائق العلمية التى توصلوا لها .. وعادت السيدة مرة أخرى لسابق عهدها تحرق ما تلمسه بيديها .. وذهبت مرة أخرى لنفس الشيخ الذى عالجها بدقات الزار ..
نبأ السيدة فايزة وصلنى عندما بدأت أعمل فى إحدى الصحف الأردنية الأسبوعية .. فى نفس الوقت الذى أذيع فيه نبأ غير عادى يقول إن الخضر عليه السلام مر من منطقة مسجد الحسين بوسط العاصمة الأردنية عمان وقت صلاة الجمعة ولحظة مروره كل شئ صمت عن الكلام حتى أصوات السيارات اختفت .. وهلل الناس وكبروا عندما مرت لفحات الهواء القوية من المنطقة المحيطة بالمسجد والتى أجبرت الأشياء على الخروج عن طبيعتها احتراما وتقديسا للرجل .. قال شيخ المسجد الحسينى لجموع المصلين وقت صلاة الجمعة إن الخضر عليه السلام مر منذ لحظات .. فهلل جموع المصلين …
لحظتها شعرت بأن هناك شيئا غير عادى يحدث .. لم أستسلم لتلك التفسيرات .. طلبت من رئيس التحرير إعداد سلسلة من الحلقات نضع فيها كل تلك الظواهر تحت ميكروسكوب العلم بعيدا عن التفسيرات التى يخضع لها عقول البسطاء … وبدأنا فى إعداد هذه السلسلة من التحقيقات .. والتى أخضعت حالة السيدة فايزة وما حدث فى الساحة الهاشمية وحول المسجد الحسينى الكبير بالعاصمة الأردنية للدراسة وللبحث واستشارة الخبراء .. وجاء أحد الأطباء الألمان .. وكشف الأسرار كاملة .. واتضح أن الجنى الذى لبس جسد السيدة المذكورة ليس سوى شحنات كهربائية زائدة يفرزها المخ ولا يتم تفريغها أولا بأول .. وعندما وضع الطبيب الألمانى مسمارا فى حذاء السيدة المذكورة قام المسمار بتفريغ شحناتها الكهربائية الزائدة أولا بأول فلم يعد الجنى يلبس جسدها منذ ذلك اليوم .
أما عن مرور الخضر عليه السلام وصمت وسط المدينة لحظتها فلم يكن سوى محاجر قامت بعشرات التفجيرات مرة واحدة لحظة صلاة الجمعة بالمخالفة للقانون الأردنى فقامت بتفريغ الهواء من حولها .. ونتج عن ذلك عاصفة هوائية مرت حول المسجد الحسينى لحظة صلاة الجمعة والطبيعى معها لا يسمع الناس شيئا ..
*****
تذكرت هذه الحوارات وهذه الحكايات وأنا أقتحم جنبات مدينة لبده الكبرى فى الجماهيرية الليبية ..
اندهشت وأنا أتابع عبقرية الحضارة التى شيدت هذه المدينة .. واندهشت أكثر لأن ليبيا لم تروج لمثل هذه الآثار بالطريقة المناسبة … خاصة وأن المدينة شهدت فصول عظيمة من التاريخ ..
*****
لقد مرت مدينة لبده عبر التاريخ بعدة مراحل أهمها المرحلة الفينيقية . وتؤرخ هذه الفترة منذ تأسيس هذه المدينة من القرن السابع (ق.م) حتى عام (146 ق.م) ولقد بقيت الكتابة الفينيقية مستعملة فى شمال أفريقيا وبالأخص فى مدينة لبده حتى الفتح الإسلامى والتحريات والاكتشافات التى قامت بها جامعة (بنسلفانيا) الأمريكية (1960-1961) أدت إلى اكتشاف بعض القبور الفينيقية التى وجدت تحت المسرح الرومانى الذى شيده الرومان على مقبرة المدينة الفينيقية .
أما الفترة الثانية فى حياة لبده فهى تمتد من القرن الأول قبل الميلاد وحتى القرن الأول الميلادى وتستطيع ملاحظة وتتبع نمو المدينة واتساعها السريعين من التواريخ المتتالية فى هذه الفترة التى نشأت فيها كل المبانى العمرانية الهامة وتذكر المصادر التاريخية أن بعض هذه المبانى قد شيدت من قبل أغنياء فينيقيين ومنحت كهدية باسم امبراطور روما ومن المبانى التى ترجع لهذه الفترة سوق المدينة الذى يرجع زمن تأسيسه إلى (8 ق.م) والمسرح فى العام الأول الميلادى (كلكيديكوم) ما بين عامى (11-12م) وقواعد المتعب المدرج (الامفيثياتر) فى العام (56 م) .
أما الفترة الثالثة فى حياة لبده والتى تعتبر الفترة الذهبية ففيها حدث نموا سريعا للمدينة خلال القرن الثانى الميلادى ومن المبانى المهمة فى هذه الفترة حمامات هادريان (126-127م) وفى القرن الثالث الميلادى تطورت المدينة فأقيمت جملة من المبانى الضخمة فى العهد السويرى كان أبرزها الشارع المعمد – معبد الحوريات – الميدان – البازيلكا لعل السبب فى اتساع المدينة وتطورها فى العهد السويرى يرجع إلى دوافع سياسية وذلك لكون أصل الأسرة السويرية من لبده وبدء التدهور التدريجى فى حياة لبده العمرانية من بعد انهيار حكم الأسرة السويرية وعاد الازدهار لهذه المدينة فى عهدى الامبراطوريين (ديو كلتيانوس) (248-305م) وقسطنطين (307-377م) وقد تعرضت مدينة لبده خلال القرن الرابع لعدة غزوات منها غزوات القبائل الاستورية (363-367م) .
أما الفترة الرابعة فى حياة لبده فهى (الفترة البيزنطية) وقد كانت نهاية الحكم الوندالى فى شمال أفريقيا فى عهد الامبراطور جستنيان (527-565م) وبعد الفترة البيزنطية فى القرن السابع الميلادى هجرت المدينة فزحف الرمل ليغطيها وبقيت على هذا الحال حتى القرن التاسع عشر والقرن العشرين الميلاديين .
*****
وعن لبده قال الرحالة العربى اليعقوبى عن مدينة لبده (بأنها حصن كالمدينة , على ساحل البحر أما سكانها بحسب قول اليعقوبى فهم هوارة ويقول إن (هوارة) يزعمون بأنهم من البربر وأن مزاته ولواته كانوا منهم وانقطعوا عنهم وفارقوا ديارهم وساروا إلى أرض برقة وغيرها وتزعم هوارة أنهم من اليمن وجهلوا أنسابهم وبطون هوارة يتناسبون كما تتناسب العرب ومنهم بنو اللهان وبنو مليلة وورسطة فبطون اللهان وبنو ورفلة وبنوا مسراتة).
ولم يختلف المؤرخون فى أصل تأسيس المدينة ونشأتها اختلافا جذريا ومن ضمن الآراء التى تحدثت عن نشأة المدينة رأى الشاعر الرومانى (سيليوس ابتاليكوس) silius Italicus حيث يقول: إن الفينيقيين من أهل صور هم الذين أسسوا لبده وصبراته أما أويا فقد أسسها الفينيقيون الذين كانوا يقيمون فى جزيرة قبرص وقد عاونهم فى ذلك الليبيون الوطنيون .
أما المؤرخ الرومانى سالوستيوس (Sallustius) فيؤكد أن لبده قد أسسها بعض أهل صيدا الذين من وطنهم الأصلى (لبنان حاليا) أثناء بعض الأزمات السياسية وليس فى ذلك ما يناقض أقوال سيليوس لأن الكتّاب القدامى الشعراء منهم والمؤرخون على حد سواء لم يكونوا عادة يفرقون بين أهل صور وأهل صيدا وإنما اعتبروا هؤلاء وهؤلاء سواء عند حديثم عن الفينيقيين .
وجاء اسم لبده فى المصادر القديمة باسم لبده الكبرى تميزا لها عن مدينة لبده الصغرى التى أسسها الكنغانيون قرب مدينة قرطاجة فى القرن الخامس قبل الميلاد وكانت تعرف عدد الكنعانيين باسم لبقى أو لفقى حيث ورد هذا الاسم على عملة كنعانية ترجع إلى القرن الأول قبل الميلاد لقد نمت هذه المدينة من محطة تجارية أنشأها الكنعانيون فى الألف الأول قبل الميلاد ضمن سلسلة طويلة من المحطات التجارية التى أنشاؤها على ساحل شمال أفريقيا .
ومنذ حوالى القرن السادس قبل الميلاد أصبحت لبده مركزا إداريا هاما لما يعرف باسم المدن الثلاثة (لبده – أويا (طرابلس) – صبراته) ومنها جاءت تسمية مدن طرابلس التى يقابلها فى التعبير اليونانى (ثرى) يعنى (ثلاثة) وبوليس أى (المدن) وقد ازدهرت المدينة نتيجة لاعتمادها على تنمية موارد الزراعة وتنظيم تجارة القوافل مع أواسط أفريقيا).
وتتحدث المصادر الكلاسيكية (اليونانية – الرومانية عن اسم لبده بهيئة لبتس مغنا (Leptis Magna) وأحيانا (لبكس مغنا) أو (لبسيس مغنا) Lepcis Magna كان الاسم الأول الذى سبق ذكره هو الأغلب أما الاسم الذى تلاه فيحتمل أنه مأخوذ من الاسم الفينيقى للمدينة أى لبقى أو لفقى).
وسميت من قبل اليونان بجانب لبتس باسم نيابوليس (أى المدينة الجديدة) وصفه ما غنا اللاتينية الأصل أى الكبرى أو العظمى أضفت إلى اسم المدينة لتميزها عن مدينة أخرى بالاسم نفسه .
ويقول البعض الآخر من الآراء أن اسم لبده قد اشتق من اسم القبيلة الليبية القديمة ( ليبو ) الوارد فى المصادر الهيروغليفية زمن أواخر الألف الثانى قبل الميلاد .
أما رأى الشيخ الإمام شهاب الدين أبى عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموى الرومى البغدادى فى معجمه معجم البلدان فيقول: (لبده مدينة بين برقة وأفريقية وقيل بين طرابلس وجبل نافوسة وهو حصن من بنيان الأول بالحجر والآجر وحوله أثار عجيبة.
رحلة العبدرى يقول فيها : وهناك مدينة لبده فيها آثارا قديمة وبنيانا عجيبة وفيها من أساطين الرخام والواحة ما يقصر عنه الوصف وفيها صورة امرأة من رخام بإزاء الطريق ولا شك أن البلدة كانت وهى الآن متهدمة دارسة ليس بها إلا عمارة قليلة .
ورحلة العياشى يقول فيها : وفى هذا المحل الذى قصدناه منه آثار أبنية كبيرة وفى سفحه الذى يلى ساحل أحامد مدينة عظيمة يقال لها ( لدة ) قد خلت فى العصور الأوائل وبقيت آثارها ورسومها قد أكل البحر كثيرا منها وفيها مبانٍ عظيمة وهياكل جسيمة وأبراج خارجها مدينة بالحجر المنحوت فى غاية الإتقان قد هرم الدهر وما هرمت وتعاقبت عليها الأزمنة وما تلت فترة الأبنية ماثلة متقابلة على رؤوس الجبال مد البصر بحيث يقضى الحدس بأن ما كان داخلها كأنه مدينة واحدة إلى البحر وترى أعمدة الرخام وغيرها واقفة وسط البحر قدأ بها الماء بحيث لا يرتاب أن البحر قد أكل كثيرا منها ومن هذه المدينة ينقل من أعمدة الرخام إلى طرابلس وإلى مصر وإلى غيرها من البلدان ويقال أن بانيها الملك دقيوس وبعد وفاته ملكتها امرأة اسمها (رومية) وبعضهم يذكر أن النمرود لما بنى دمشق بقى ثلاث سنوات وبعث ولده وأمره أن يبنى مدينة بالمغرب فبنى هذه المدينة وجلب إليها الماء من وادى كعام فى بناء متقن يحار الناظر فيه إلى أطارف المدينة إلا أن ماء هذا الوادى الآن قليل أجن ويزعم أهل البلدان ماء هذا الوادى كان حلوا غزيرا أيام عمارة المدينة وكان مما يتواتر عند أهلها أنه إذا بدت فيه الملوحة فذلك علامة خرابها فكلما بدت فيه الملوحة أخذ أهلها فى الانتقال منها والله أعلم أى ذلك كان .
ويقول المقريزى : إنه عقد لعقبة أيضا على غزو هوارة وعقد لشريك بن سمى على غزو لبده فقاما بالغزو سنة 43 وعمرو فى مرض الموت والمقصود هنا عمر بن العاص .
وكانت منطقة لبده موطنا لجماعات بشرية فى عصور ما قبل التاريخ كما تدل على ذلك بعض حجارة وجدت على ضفاف وادى الرملة وقد أسس بها الفينيقيون المراكز الأولى للبده وصبراته.. ولبده مدينة عظيمة من مدن الشمال الأفريقى الكبرى أسسها الفينيقيون فى أوائل القرن العاشر (ق.م) عند بداية استعمارهم أفريقية وهذا التاريخ يقرب من تاريخ إنشاء قرطاجة وكانت معروفة عند القرطاجانيين باسم (لبكى) وقد حرفها اليونانيون إلى (لبش) وبقيت هذه الكلمة مستعملة إلى القرن الثالث (ق.م) ثم حرفت فى اللغة اليونانية من (لبش) إلى (لبتس) اسم لمدينة فى (بيز اشينا) خافوا أن يحصل التباسا بين المدينتين فأضافوا إلى لبتس الأفريقية كلمة (مانيا) فصارت (لبتس مانيا) ومعناها لبده العظيمة أو لبده الكبيرة .
*****
ومن أهم الرموز الإنسانية التى عرفتها لبده كان سبتيموس سيفيروس (الفترة من 193 إلى 211م) وقد اقترن عصر الرخاء والازدهار فى الامبراطورية الرومانية بتولى (لوكيوس سبتيموس سيفيروس) (Lucius, Septeimus Severius) زمام الأمور فى هذه الامبراطورية ولقد تباينت آراء المؤرخين فى تحديد أصل الامبراطور (لوكيوس سبتيموس) وهذه أهم الآراء التى ذكرت حول نسب هذا الامبراطور وأصله .
و(أيدى بعل كفدا ايميليوس) من أبرز من عرفتهم لبده فهو مواطن من أثرياء لبده فى عصر الامبراطور أغسطس (30 ق.م – 14م) حيث استطاع تخليد اسمه مع عظماء التاريخ بأن أنشأ مبنى (الكليكيديكوم) كسوق للتجار فى المدينة وقدم تم التعرف على هذا المواطن من التماثل الذى وجد له فى المدينة .
ومن بين الشخصيات التى عرفتهم لبده : حنا بعل روفس وهو واحد من عصامى لبده وقد ارتبط اسمه بمسرح لبده المدرج وسوقها حيث قام بالدعم المادى لبناء هذه العمارات التى تعد من أهم معالم المدينة ولقد عاش هذا المواطن اللبداوى الذى يعتبر من أثرياء المدينة فى عصر الامبراطور أغسطس .
ــــــــــــــــــــ
موقع شباب مصر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























