من النهضة إلى الحداثة المبتورة
فيصــــــل درّاج
ثلاث مراحل تميّز التاريخ العربي الحديث : عصر النهضة ، الممتد من القرن التاسع إلى عام 1952، كما يرى البعض، أو إلى هزيمة 1967، كما يرى بعض آخر، أكثر موضوعية. تلته حقبة «دولة الاستقلال المتسلّطة»، التي أسّست لصعود «الصحوة الإسلامية». زامنت ««الصحوة» ، ومن منظور مختلف، اقتراحات ثقافية متنوعة، تبدأ بأسئلة المثقفين وتنغلق عليها.
1 . الجديد في مواجهة القديم
تميّز عصر النهضة، الذي عرف نعتاً موازياً هو: عصر التنوير، بعنصرين متكاملين: ظهور مثقفين يعطون الثقافة وظيفة اجتماعية نقدية، وولادة ظواهر اجتماعية تضمنت الصحف والأحزاب السياسية وتزايد المطابع والترجمة، والتعرّف على أشكال جديدة من الأدب والفنون. تطلّع هذا العصر، الذي عاش بقايا السيطرة العثمانية ومجيء الاستعمار الحديث، إلى بديل اجتماعي، يحاكي النموذج الحضاري الأوروبي والموروث العربي ــ الإسلامي. وهو ما دفع بمثقفيه إلى كلمة «الجديد»، التي تقاسم استعمالها محمد حسين هيكل وجبران خليل جبران وطه حسين وغيرهم. لم تكن الكلمة الجديدة محرّرة من الالتباس، فالجديد المطلوب لم يكن جديداً تماماً، فقد بقي «الإسلام الذهبي» ماثلاً في عقول كثيرة . والأمر واضح الدلالة ، لأنّ دعاة الجديد كانوا مقيّدين إلى مجتمع تقليدي، فتحته على الجديد «صدفة استعمارية». لا غرابة والحال هذه ألاّ ينتهي مبدأ «المبايعة» في مصر، أي اختيار«رأس الدولة»، إلاّ بعد مجيء الاستعمار الإنجليزي وهزيمة الثورة العرابية عام 1882 ، ولا غرابة أيضاً أنّ تستأنف «الساداتية» مبدأ المبايعة، وأن تطمئّن ، من جديد ، إلى «الأغلبية الصامتة» ، التي ينوب عنها «أهل الحل والعقد» في كل شيء.
يفرض الحديث عن النهضة التوقف ، لزوماً، أمام التوسع الاستعماري، الذي كشف عن الفرق الحضاري بين المستعمرين والمستعمرين. أملى الفرق، الذي يجمع بين المقاومة والانبهار، سؤالاً واحداً متماثلا: سأل عبدالله النديم: «لماذا يتقدّمون ونحن على تأخّر؟» ، وطرح شكيب أرسلان سؤاله الشهير: «لماذا تقدّم الغرب وتخلّف الشرق؟»، وقال سلامة موسى مبهورا: «لماذا هم أقوياء؟». لم يكن بإمكان السؤال أن يكون واضحاً، فصاحبه أُجبر عليه،، بعد أن دهمته قوة غازية لا تعوزها الغواية. ولم يكن بإمكان الإجابة أن تكون مطمئنة، حال السؤال الذي طُرح على غير توقّع. ولهذا أتت الإجابة في إطار المتاح ، وحملت الانبهار بالآخر القوي. هذا الانبهار الذي تسلل إلى كلمات ماركس في «البيان الشيوعي»، حين تأمّل برجوازية مبدعة يحلم بدفنها، وسيتسلل مرّة أخرى، بعد قرن ونصف من الزمان، إلى كتاب أنطونيو نيجيري «الإمبراطورية»، الذي أراده صاحبه «بياناً شيوعيا» جديداً ، في مطلع الألفية الثالثة.
من أين جاء التخلّف، وما هي وسائل تجاوزه ؟ هذا هو السؤال الأساسي، الذي حاول النهضويون الإجابة عنه بأشكال مختلفة. دعا رفاعة الطهطاوي (١٨٠١ ــ 1873) إلى حقوق المواطنة وسلطة تؤمن تساوي الناس في الحقوق والواجبات، ونقد عبد الرحمن الكواكبي «طبائع الاستبداد» وندّد بالاستبداد الديني الذي تفرضه سلطة مستبدة، ودافع قاسم أمين (1865ــ 1908) عن تحرّر المرأة، واجتهد محمد عبده (1849ــ 1905) في إنتاج تأويل للنص الديني يركن إلى العقل وحاجات الناس العملية، وطالب فرح أنطون (1874 ــ 1922) بمجتمع مدني، ودعا طه حسين (1889 ــ 1973) إلى الفصل بين العلم والدين، محدّداً مجالاً خاصاً لكل منهما دون مرتبة أو امتياز، أعلنت الأسئلة عن مجتمع يجب تغييره، يعاني من الاستبداد السياسي والانغلاق الديني واضطهاد المرأة وتحريم الحريّة الفكرية والتخلّف في مجالات العلم والمعرفة، صرّحت هذه المواضيع الاجتماعية الأساسية، التي لا تزال تبحث عن حل لها حتّى اليوم ، عن شواغل فكرية صحيحة ومعوّقة في آن: صحيحه لأنها تمحورت حول مواضيع يحرّر حلها الصحيح المجتمع من قيوده المتوارثة، ومعوّقة بسبب مجتمع لا يعي أسباب تخلّفه ولا يتمتع بوعي ثقافي ذاتي يطرح قضايا تحرّره ويجيب عنها . تكشّفت الإعاقة الموضوعية، التي ترجمت علاقات القوّة في حقل المعرفة، في علاقة التلازم بين الأسئلة المحلية المطروحة ومراجعها الفكرية، الوافدة. فقد استأنس الطهطاوي بمونتسكيو، ومحمد حسين هيكل بجان جاك روسو، وتأثّر محمد عبده بأفكار سبنسر التطوّرية، واعتنق سلامة موسى أفكار برنارد شو و د. ج . هـ. ويلز، واستفاد الكواكبي من بلنت وألفياري، وجمع فرح أنطون بين نيتشه وماركس وأفكار ليبرالية، واطمأن طه حسين، على طريقته، إلى منهج ديكارت،…
تحرّض الملاحظة الأخيرة على اتهام الفكر النهضوي بالتبعية وإضعاف الموروث وتعريضه للخطر، والتأسيس لحداثة لا تأتلف مع التقاليد والحضارة الماضية. بيد أن التهمة، التي لم تكن ممكنة من دون ممارسات الأنظمة المتسلّطة القادمة، فقيرة المضمون لأكثر من سبب: فلو كان «التراث»، الذي أمسك بمرافق المجتمع كلّها، قادراً على التصدّي للقوة الأوروبية الحديثة، لما التمس النهضويون المعرفة في تراث آخر. بل إنّ هذا التراث، الذي راوح في مكانه إلى حدود الموات والتفكّك، جعل «أهل التراث» مهزومين، قبل أن يواجهوا «الآخر» أو يلتقوا به. وفي الواقع فإنّ ثقل التراث الراكد، المسوّغ بأميّة منتشرة وبسلطات مستبدة تستثمر الدين وتقطع معه، حاصر الفكر النهضوي، منذ البداية، مساوياً بين العلم والكفر والاعتراف بالأزمنة الحديثة والارتداد: وهذا الانغلاق، المستثمر من القائمين على شؤون الاستبدادين السياسي والديني، منع «المختصين في شؤون الإيمان» عن رؤية جهد محمد عبده في تجديد الفكر الإسلامي بما تقتضي حاجات العصر، وعن قراءة كتابات طه حسين عن «مرآة الإسلام»، ومنعهم، تالياً، عن التعاطف مع عبد الناصر، الذي لم يبخل برعاية المؤسسات الدينية.
يُحاكم الفكر النهضوي عادة بمقولتي: الكفر والإيمان، ذلك أنه انشغل بمقولتي: التخلّف والتقدّم، بلغة معيّنة، أو بقضايا المساواة والعدالة الاجتماعية والعلم والمعرفة والثقافة الاجتماعية الراقية، بلغة أخرى. وفي هذا البحث، الذي أجبر عليه ولم يذهب إليه مختاراً، عرّف النهضويون غاياتهم بكلمات مختلفة: اليقظة، الجديد، الارتقاء، التمدين، وأطلقوا على نقائضها كلمات مرتبكة موازية: التخلّف، الانحطاط، التوعّر، ضعف الهيئة الاجتماعية،… يدفع هذا الارتباك إلى طرح السؤال التالي: من أين يأتي المفهوم النظري الواضح إذا كانت الكلمات التي تحيل عليه مضطربة؟ وهل يمكن أن يلتقي المفهوم بالمثقف المطابق، إذا كانت كلمة «المثقف» غريبة عن القاموس اللغوي المتوارث؟ ومن أين تأتي دقة المفاهيم إذا كان الفلسطيني روحي الخالدي، الذي تعلّم في فرنسا، يترجم «الثورة الفرنسية» بـ «الاضطراب الكبير»؟ ولد الفكر النهضوي في شرط مأزوم وطرح ، قضايا عملية، لا يحلّها الفكر النقدي وحده. وضعت هذه الشروط المعقّدة في أرواح بعض التنويريين يأساً يخالطه القلق، أشار إليه هشام شرابي في كتابه «المثقفون العرب والغرب»، مستنداً إلى الحكاية التالية: « كنّا في دار الأستاذ الإمام نتحدّث في ما أُشيع عن رغبة الأمّة اليابانية في التديّن بدين الإسلام، قال الشيخ حسين الجسر: إذن يرجى أن يعود إلى الإسلام مجده. قال الأفغاني: دعهم فإني أخشى إذا صاروا منا أن نفسدهم قبل أن يصلحونا، وقال آخر: إذا كنا يا قوم مسلمين في جميع معنى كلمة الإسلام بحيث لو قام عمر بن الخطاب من مرقده وساح فينا على ناقته من سور الصين إلى شطوط الأتلانتيك لما شك في أننا مسلمون، إذا كنا كل ذلك فلما لم يصدّقنا الله وعوده التي يستحيل أن يقع فيها خلف» . سواء كان القول دقيقاً أو مجزوء الدقة، فهو يشير إلى انزياح عن التسليم إلى المساءلة، وإلى قراءة للدين في وظيفته الدنيوية، قياساً على ماضٍ إسلامي وحاضر أوروبي.
يتعرّف الفكر النهضوي بنزوعه قبل أن يتعرّف بالإجابات التي وصل إليها . فقد أعطى الثقافة وظيفة اجتماعية نقدية، وتعامل معها علاقةً اجتماعية بين علاقات أخرى. كأن يتحدّث محمد عبده عن اللغة المتكلّسة اللصيقة بعقلية دينية متكلّسة، وأن يكتب فرح أنطون بلغة متحرّرة من «المحسّنات اللفظية» القديمة وأن يرفض طه حسين أسلوب الرافعي مؤثراً عليه أسلوباً يفهمه الناس. قضى المعيش اليومي، في هذا التصوّر، بقراءة النص الديني على ضوء الحاجات العملية، واستأنست قراءة النص بمعارف أجنبية، معترفة بكونية العقل الإنساني وعالمية الحاجات الإنسانية. ولعلّ اليومي والعملي والاجتماعي هو الذي أوصل التساؤل النهضوي إلى أسئلة غير مسبوقة، وإلى إجابات مضمرة لا يسمح ثقل التراث بالإفصاح عنها. فقد قصد محمد عبده إلى مواجهة العلمانية، التي دفعته إلى حوار مع فرح أنطون، بإسلام لا تعصّب فيه، يوفّق بين الديني والحاجات الإنسانية المتجدّدة. لكن البحث، الذي لا يعزل النص الديني عمّا خارجه، انتهى إلى جسر تعبر منه العلمانية، من أبواب مواربة، إلى النص الديني، كما أشار إلبرت حوراني. وتسرّبت هذه العلمانية إلى خطاب قاسم أمين، الذين رأى في العلم الأوروبي مستقبلاً للإنسانية بأسرها. كان الطهطاوي سبق الطرفين، حين أمعن النظر في حقوق المواطنة، ووضع الانتماء الوطني فوق الانتماء الديني. سمح البحث، الذي انطلق من المعلومات ولم يحاذر الاقتراب من المجهول، بعقلية حوارية ، بعيدة عن الثنائيات القاطعة، مكّنت عبده من حوار أنطون والفرنسي هاناتو، والأفغاني من حوار رينان ومساجلة شبلي شميّل . لم يدر الحوار حول خصوصيات مطلقة ، تخص المسلمين بالإيمان وغير المسلمين بالكفر، إنّما دار حول احتفال الإسلام بالعلم، وضرورة مواكبة المسلمين لغيرهم في مجال البحث العلمي.
عيّنت الخصائص السابقة، نظرياً، الفكر النهضوي سيرورة ثقافية ــ اجتماعية مفتوحة. لكن هذه السيرورة حوصرت بوسائل متنوعة متلاحقة، وصولاً إلى «الأيديولوجيات الثورية». رحل الكواكبي مسموماً، ودُسَّ السم في استنبول، كما يقول البعض، لعبد الله النديم، وحرّض «رأس الدولة» في مصر على تكفير علي عبد الرازق، بعد نشر كتابه «الإسلام وأصول الحكم»، الذي نقض فيه «بداهة الخلافة»، وتعرّض طه حسين إلى حملة من الذم والتشهير والتكفير لا تزال مستمرة، حتّى اليوم. إضافة إلى تزامن صعود التنوير مع الغزو الاستعماري، الذي قنّن التعليم بما يتفق مع مصالحه، وهو ما أبانه د. أنور عبد الملك في كتابه «دراسات في الثقافة الوطنية». عوّق كل هذا سيرورة الفكر النهضوي: عوّقتها السلطة المستفيدة من ركود التراث، وعوّقها التراثيون المشغولون بالمصالح المتوالدة من إعادة إنتاج التراث، وعوّقها الاستعمار الذي أسّس لـ «تبعية مستدامة» لا تأتلف مع الفكر التنويري.
٢ . إلغاء النهضة بالثورة
أنتجت التحوّلات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، بشكل متصاعد، نخبة فكرية ــ سياسية، استمدّت مراجعها من وعود الاستقلال الوطني وصعود الأفكار التحرّرية وسقوط فلسطين. بدا الاستقلال زمناً جديداً، ينقض الاستعمار والتخلّف والتجزئة بمستقبل مستقل عن الماضي القريب ، ولا يعترف به . ظهرت «الحقبة النهضوية»، في تصوّر النخبة الجديدة، جزءاً مرفوضاً من الماضي ، لأنّها تزامنت مع ظواهر سلبية كثيرة سيقوم الاستقلال باكتساحها . لم تقرأ النخبة «الوطنية الجديدة» التاريخ الوطني من داخله، كي تتعرّف على الأسباب الموضوعية التي تستقدم الاستعمار وتعيد إنتاجه، بل عمدت إلى قراءة رَغَبية، تفصل بين التاريخ وإمكانية بنائه. وهذا ما جعلها تطمئن إلى شعار أيديولوجي لا قوام له، يدعى بـ: الثورة الشاملة، القادرة على نقل «المجد العربي القديم» إلى الزمن الحديث.
أسّس وَهْم «الثورة الشاملة» لفكرة «وحدة إرادة الأمة»، التي هي شرط مواجهة الخارج وبناء الداخل. بيد أنّ الفكرة أنتجت نقيضها، ذلك أنّ التصوّر السلطوي، وفي ممارسة تسكنها المفارقة، قيّد الإرادة التي يعمل على توحيدها، وسلب البشر حريّتهم وهو «يسوقهم» إلى زمن تحرّري مفترض . فقد أفضى إلى سلطات تحاسِب ولا تحاسَب، وإلى مجتمعات دورها الخضوع لا المشاركة. وعن هذه القسمة المأساوية صدرت، بأشكال متباينة، تقاليد «الواحدية»، التي تحيل على فرد أو حزب أو عائلة، أخذ، أو أخذت صفات بلاغية متعددة: المنقذ والمخلّص والبطل والمنتظر والشعب والأمّة…. والواضح في النعوت جميعاً أمران: استئناف ممارسات تقليدية قديمة، بأشكال جديدة، وإقناع الخاضعين بعجزهم المستديم، ذلك أنّ الشعوب التي تسلّم مقاديرها إلى «بطل وحيد» بائسة بامتياز. واتكاء على عقيدة «الواحد» ، التي تلتبس زوراً بـ«ضرورة تاريخية»، أنجزت السياسات السلطوية اختزالاً متواتراً، يضع إرادة الشعب في إرادة السلطة، وإرادة الأخيرة في إرادة المرجع السلطوي . ومع أنّ أيديولوجيا «المفرد المخلص» تحيل ، نظرياً، على مسؤول «عظمته» من عظمة شعبه، فقد كان فيها ما يجرّد الشعب من حقوقه، وما ينقلها إلى ملكية مفردة، لا يطالها القانون. ولعلّ احتكار القرار، الذي يدّعي تمثيل الإرادة العامة، هو الذي وحّد بين نقد السلطة، أي ممارسة الحق المجتمعي الطبيعي، والخيانة الوطنية، على اعتبار أنّ الوطن هو السلطة، وأنّ المساس بالأخيرة تطاول على المصلحة الوطنية.
ألغت دولة الاستقلال الوطني، تحت شعار «الوحدة الوطنية الضرورية»، معنى الحزب السياسي ، الذي تزامنت ولادته وتطوّره مع العصر النهضوي، مما جعله، في تصوّر دولة الاستقلال ، إرثاً إقطاعياً استعمارياً،
المزيد